| | | الزيارات: 31154 طباعة

الإجهاض

الإجهـاض (طبياً)

الإجهاض abortion لغةً مصدر فعل لازم. وأجهضت المرأة أسقطت حملها لغير تمام فهي مُجْهض. والولد السقْط: هو الجِهض والمُجْهَض والجَهِيض. والمجهاض من الإناث هي التي من عادتها إلقاء الولد لغير تمام.

الإجهاض في الطب

الإجهاض في نظر الطب، هو خروج محصول الحمل من الرحم فيما بين بداية الحمل وقابلية الحياة. ومع أن هذا التعريف يبدو واضحاً وصريحاً، إلا أنه يقتضي تحديد تاريخين تكتنف كل منهما بعض الصعوبات، وهما تاريخ الحمل وبدء قابلية الحياة.

أما تاريخ بدء الحمل، أي تاريخ الإلقاح، فلا يمكن تحديده بدقة سواء سريرياً أم بالفحوص المخبرية، وكل الوسائل المستعملة تحتمل الخطأ زيادة أو نقصاً ولو بنسب بسيطة.

وأما قابلية الحياة فيحددها بعضهم بانتهاء الشهر السادس من الحمل، ويحددها آخرون ببلوغ الجنين 1000غ من الوزن. وقد يكون أحد هذين الحدين أو كلاهما مقبولاً لو ترك المولود للحياة عفوياً، ولكن تقدم وسائل العناية الطبية المختلفة أتاحت للمولود أن يعيش في حدود أدنى بكثير من هذين الحدين. ويتدخل في تعيين قابلية الحياة كثير من العوامل المحيطية والخاصة مما يثير كثيراً من المشاكل القانونية في هذا الشأن.

وللإجهاض نوعان : الإجهاض العفويspontaneous abortion  والإجهاض المحرَّض induced (artificial) abortion .

الإجهاض العفوي

هو الإجهاض الذي يحدث من تلقاء نفسه من دون عامل خارجي، كاستعمال آلة أو دواء أو وسيلة أخرى. وهو نوعان: الإجهاض الحادثي accidental abortion (العارض) الذي يحدث بين حمول لم تبلغ نهايتها، والإجهاض المتكرر (أو المعتاد) recurrent (habitual) abortion الذي يتكرر ثلاث مرات متتاليات فأكثر.

الإجهاض الحادثي :

تقدر منظمة الصحة العالمية نسبة الإجهاضات العفوية بـ 10? من مجموع الحمول، ويعتقد بعضهم أن النسبة تزيد على ذلك.

أسباب الإجهاض الحادثي : تموت المضغة قبل الإجهاض غالباً، في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل: ولمعرفة سبب الإجهاض لابد من معرفة سبب موت المضغة. أما الإجهاض بعد الشهر الثالث فيحدث من دون موت المضغة غالباً، وأسبابه مختلفة عما هو عليه في الأشهر الثلاثة الأولى، وتكون هذه الأسباب في جسم الحامل أو في جهازها التناسلي ويندر أن تكون من الأب. وأهم أسباب هذه الإجهاضات :

  1. الزيغ الصبغي chromosomal aberration : وهو اضطراب عدد الصبغيات الجسدية أو الجنسية أو كليهما معاً. وأكثر أنواع الزيغ مشاهدة التثلث الصبغي trisomy وعدد الصبغيات فيه 47 بدلاً من 46، وتثلث الصيغة الصبغية triploidy وعدد الصبغيات فيه 69 صبغياً، والصبغي X الوحيد monosomy وعدد الصبغيات فيه 45 صبغياً، وتربع الصيغة الصبغية tetraploidy وعدد الصبغيات فيه 92 صبغياً، وهناك أنواع أخرى قليلة المشاهدة.

    والملاحظ أن حوادث الزيغ تكثر في الوالدين الكبيري السن ولاسيما الوالدة، وليس من الضروري أن يؤدي الزيغ الصبغي إلى موت المضغة وحدوث الإجهاض، فقد يستمر الحمل، مع وجود بعض أنواع الزيغ، حتى تمامه، ولكن المواليد تحمل الآفات الخاصة بكل نوع من أنواع الزيغ، كمتلازمة تورنر Turner syndrome التي تشاهد في النساء المصابات بالصبغي الجنسي الوحيد الذي يرمز له بـ Xo أو X44 والمغولية mongolism في تثلث الصبغي 21، وداء مواء الهر Cri du chat في خبن الذراع deletion القصير في الصبغي الخامس. 

  2. الإزفاء (الانتقال) translocation : وهو انفصال قطعة صبغية من صبغي وتثبتها على صبغي آخر لا يماثلة. وينجم عن تبدل في بيئة الرحم نتيجة عوامل داخلية أو خارجية متعددة كالاضطراب الهرموني أو التعرّض للأشعة أو الإصابة ببعض الأمراض الخمجية أو تناول بعض المواد الكيماوية. ويؤدي الإزفاء إلى الزيغ الصبغي بنسبة 2? من حوادث الزيغ كما يؤدي إلى الإجهاض. 

  3. الاضطرابات الهرمونية : يؤدي قصور الجسم الأصفر corpus luteum إلى الإجهاض، ومن المعلوم ضرورة وجود البروجسترون الذي يفرزه الجسم الأصفر لتعشيش البيضة قبل الأسبوع الثاني من الحمل. كذلك يؤدي كل من قصور الغدة الدرقية thyroid والإصابة بالسكري ومتلازمة كوشينغ Cushing syndrome، وفرط الأندروجينات الكظري adrenal أو المبيضي إلى الإجهاض أحياناً. 

  4. الأخماج الحادة infections : التي ترفع درجة حرارة الحامل سواء كان سببها الجراثيم أم الطفيليات أم الفيروسات (الحمات).

  5. الأخماج المزمنة : ومنها الإصابة بداء المقوسات toxoplasmosis أو البروسيلة المجهضة brucella abortus أو اللسترية listeria مكونة الوحيدات أو الإفرنجي في حالات نادرة. 

  6. التسمم بالمعادن الثقيلة أو غازات الاحتراق. 

  7. تناول بعض الأدوية : ولاسيما مضادات حمض الفولي وبعض العوامل المناعية. 

  8. تناول المخدرات : ويحدث الإجهاض بسببها بنسبة 14.2 - 29.8? بحسب الإحصاءات. 

  9. الرضوض : يندر أن تؤدي الرضوض إلى الإجهاض. ومع ذلك فإن الحامل وأهلها يميلون دائماً لعزو الإجهاض أو إصابة الجنين إصابة ما للرضّ، ولذلك يجب أن يؤكد الفحص النسائي حياة البيضة، حين حدوث الرض، بالفحص السريري أو مخبرياً أو بالصدى، فقد تؤكد هذه الفحوص موت الجنين قبل حدوث الرض، ولهذا الأمر شأنه من الناحية القضائية. وقد تؤدي رضوض العمليات الجراحية المجراة في البطن إلى الإجهاض ولاسيما العمليات المجراة على الجهاز التناسلي كاستئصال كيسة مبيض أو نواة ليفية، كما أن الرضوض النفسية العنيفة تحدث الإجهاض أحياناً بسبب تقبض الرحم الشديد وانفكاك البيضة عن جدارها.

  10. تشوهات الرحم infantile uterus : ومنها الرحم الطفلية والرحم ذات القرنين u.bicornis والرحم وحيدة القرن u.unicornis. وتحدث الإجهاضات في هذه الأرحام بنسبة 25? فقط من الحمول. 

  11. توسع فوهة العنق الباطنة: وهو السبب في نحو 20? من الإجهاضات المتأخرة. ويتصف الإجهاض الناجم عن هذا السبب، بسيره السريع من دون أي عرض متقدم سوى انبثاق جيب المياه bag of water وانقذاف الجنين الحي بعده بقليل. وذلك خلافاً لكل الإجهاضات الأخرى. 

  12. انقلاب الرحم الخلفي الثابت : يمنع انقلاب الرحم الخلفي الثابت retroversion نموّ الرحم لاحتوائها في الحوض الصغير، ويرضّها لاصطدامها بالطَنَف Promontory، مما ينبه تقلصات الرحم ويؤدي إلى الإجهاض، الذي يحدث غالباً في نهاية الشهر الثالث من الحمل. 

  13. الأورام الليفية fibroma : وهي تؤدي إلى الإجهاض في بعض الأحيان لأنها تمنع التعشيش أو تمنع احتواء الرحم لمحصول الحمل بسبب حجمها أو توضعها، أو تعوق نمو الأوعية الرحمية المشيمية. 

  14. الالتصاقات الرحمية synechiae : وهي تمنع نموّ الجنين بوجودها أو بتأثيرها في بطانة الرحم. 

  15. الحمول التوأمية : وتبلغ نسبة الإجهاضات فيها مثليها في الحمول المفردة .

  16. الحمول الخلالية interstitial gestation : وهي التي تحدث في المنطقة الخلالية من البوق وتنتهي بالإجهاض في بعض الظروف. 

  17. الحمول الواطئة : وهي التي ترتكز في عنق الرحم وقد تكشف باكراً حين إجراء تجريف رحم مجزأ لمعرفة سبب النزف. 

  18. الورم الدموي الساقطي القاعدي خلف المشيمة : وهو يحدث في الثلث الأول من الحمل بسبب عوارض وعائية وموضعية. 

  19. شذوذ المشيمة Villus : ومنه التهاب باطن الأوعية غير الإفرنجي الحادث في الزغابات والمؤدي إلى اضطراب المبادلات المشيمية والاحتشاء infarct الواسع الذي يخرب قسماً كبيراً من النسيج المشيمي. ومنه كذلك المشيمة المنزاحة placenta previa وانفكاك المشيمة الباكر abruptio placentae وارتكاز السَرَر المظلي velamentous insertion of cord وكل هذه الآفات تؤدي إلى موت الجنين وإلى الإجهاض، ولكن بعد الأسبوع العشرين من الحمل.

ومن المناسب القول، بعد تعداد أسباب الإجهاضات الكثيرة هذه : إن الإجهاض قد يحدث عن اشتراك أكثر من سبب واحد، وإنه من الصعب التفريق بين الأسباب الوالدية والأسباب البيضية للإجهاض، ولو أنه من المعروف أن الأسباب البيضية تغلب في الإجهاضات المبكرة، والأسباب الوالدية تكثر في الإجهاضات المتأخرة.

سير الإجهاض الحادثي وأعراضه : يسير الإجهاض في مراحل ثلاث تبدأ بمرحلة الإجهاض المهدد التي تبدأ بنزف أو بألم قولنجي أو بكليهما معاً، وتختلف كمية النزف وشدة الألم. والغالب أن يبدأ النزف قليلاً ثم يغزر ويصاحبه الألم الذي يشتد تدريجياً أيضاً. وقد ينقطع النزف وتهدأ الآلام من دون معالجة، ويستمر الحمل حتى ينتهي بمولود طبيعي أو مصاب بشذوذ صبغي، أو يموت محصول الحمل وينحبس في الرحم (الإسقاط المنسي)، أو يستمر النزف والألم وينتقل الإجهاض إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الإجهاض الوشيك أو الإجهاض في طور الحصول imminent abortion، ويضاف إلى العرضين السابقين عرض جديد يكشفه الفاحص هو انفتاح عنق الرحم وقصره (امحاؤه)، وتبرز الأغشية (جيب المياه)، إذا كان الحمل بعد الشهر الثالث، ثم تنبثق. ويدل انفتاح عنق الرحم على أن الإجهاض غير قابل للتراجع، وبعد زمن ما (بضع ساعات على الأغلب) ينطرح محصول الحمل، وتدخل المرحلة الثالثة وهي مرحلة عواقب الإجهاض: وتختلف هذه المرحلة حسبما ينطرح محصول الحمل كله أو يبقى جزء منه. ففي الحالة الأولى تهدأ الآلام ويخف النزف وينغلق تدريجياً.وبعد بضعة أيام على الأكثر يعود كل شيء في الأعضاء التناسلية إلى الحالة التي كان عليها قبل الحمل. أما في الحالة الثانية فيبقى العنق مفتوحاً بضع ساعات أو أكثر ثم ينغلق، ولكن النزف والألم يستمران بدرجات متفاوتة. وقد يكون النزف بسيطاً يستمر أياماً أو أسابيع من دون أن ينقطع، أو يشتد فجأة. وكذلك الحال في الألم فقد يكون خفيفاً أو تماشي حدته زيادة كمية الدم. ولابد في هذه الحالة من التدخل لاستخراج القطع المنحبسة في الرحم، وبذلك تزول الأعراض.

أما الإجهاض المنسي الذي مرَّ ذكره، فقد يتوقف محصول الحمل عن النمو في مرحلة الإجهاض المهدد، ولكنه لا ينطرح بل ينحبس في الرحم مدة تطول أو تقصر، فإذا انحبس أكثر من أربعة أسابيع بعد تشخيص موته سريرياً ومخبرياً فهو عندئذ الإجهاض المنسي missed abortion. ويكون التشخيص السريري بزوال الأعراض الودية - إن كانت موجودة من قبل - وبتوقف الرحم عن النمو ثم بتراجع حجمها، وبعدم شعور الحامل بحركة الجنين (في الثلث الثاني من الحمل). أما التشخيص المخبري فيكون بسلبية تفاعل الحمل المكرر عدة مرات بفاصلة بضعة أيام، وبالصدى.

وتحدث في محصول الحمل المنسي تبدلات تختلف باختلاف سن الحمل ومدة الانحباس : فتنحل البيضة تماماً في الإجهاضات المبكرة، ويتحول محصول الحمل إلى ما يسمى البيضة الرائقة clear ovum ويتحنط الجنين في الإجهاضات المتأخرة أو يتفسخ إذا وصلت الجراثيم إلى جوف الرحم بطريقة ما.

وقد يؤدي انحباس محصول الحمل الميت مدة طويلة إلى فقر دم الحامل، أو إلى الإنتان، أو إلى نقص كمية مولد الفبرين fibrinogen التي تؤدي إلى عيوب التخثر في الأوعية، أو إلى اضطرابات نفسية في الحامل.

تشخيص الإجهاض الحادثي : يمكن تشخيص الإجهاض في كل مرحلة من مراحله الثلاث السابقة. ففي الإجهاض المهدد : يكون التشخيص سهلاً، إذا كان الحمل معروفاً، بالاستناد إلى عرضيه النزف والألم مع كبر حجم الرحم الذي يوافق سن الحمل المفروض. ومع ذلك لا يدل النزف حتماً على التهديد بالإجهاض، فقد يكون فيزيولوجياً (نزف التعشيش)، أو يكون مصدره  آفة في المهبل أو في عنق الرحم. ويجب التأكد من ذلك بالفحص السريري الجيد قبل التشخيص، كما يجب التأكد من أن الحمل داخل الرحم وليس خارجها. أما إذا كان الحمل غير معروف، كأن يبدأ النزف في زمن الطمث أو بعده ببضعة أيام، فيظن معه تأخر الطمث من دون حمل، أو أن الطمث مقطوع بسبب الإرضاع، أو أن الطمث مضطرب ومن عادته أن يتأخر، ففي كل هذه الحالات يجب التفكير بوجود الحمل والتفتيش عنه بالصدى وبعيار الـ H.C.G.  وقد تجهض المرأة مع ذلك ولا يشخص الإجهاض إلا اتفاقاً أو لا يشخص أبداً إذا حدث في وقت مبكر جداً. والأمر الذي يفرض الاهتمام البالغ في مرحلة الإجهاض المهدد هو التأكد من حياة محصول الحمل لوضع خطة المعالجة والسير بها أو إيقافها، لأن استمرار معالجة حمل متوقف عن النمو يؤدي إلى انحباسه وإلى مخاطر هذا الانحباس. ويستند في التشخيص إلى الصدى وإلى عيار  H.C.G الذي تكون مقاديره أقل من المقادير الطبيعية في تسع حالات إجهاض من أصل عشرة في الأيام وحتى الأسابيع التي تسبق الانطراح. أما الإجهاض الوشيك، أو الإجهاض في طور الحصول فتشخيصه أسهل استناداً إلى أعراض الحمل مع النزف والألم الذي يصبح قولنجياً يشبه ألم المخاض، واستناداً إلى انفتاح عنق الرحم مع تشكل جيب المياه، أو من دون حدوث ذلك بحسب سن الحمل.

وتشخص عواقب الإجهاض استناداً إلى السيرة السريرية السابقة وإلى رؤية محصول الحمل المطروح. أما تشخيص الإجهاض الناقص فيستند إلى استمرار النزف والألم، أو النزف فقط، وإلى الصدى، وقد يلجأ إلى التجريف الاستقصائي أخيراً إن لزم الأمر.

العناية الصحية والطبية : إذا عرف الحمل في مرحلة الإجهاض المهدد ودل الفحص السريري والصدى والمخبر على حياة محصول الحمل تستعمل محاكيات بيتا ومحاصرات ألفا والبروجسترون الذي يؤثر بإنقاص مقوية الرحم  tonicityوزيادة مقوية المضيق، وربما أثر كذلك في تسهيل التحمل المناعي للجنين. وتعطى الحامل المهدئات ومضادات التشنج وتوصى بالراحة. وتستمر المعالجة مع المراقبة السريرية والمخبرية وبالصدى، بحسب اللزوم، حتى تتحسن الأعراض، أو حتى تتحول هذه المرحلة إلى مرحلة الإجهاض في طور الحصول، أو حتى يثبت توقف محصول الحمل عن النمو. فإذا دخل الحمل مرحلة الإجهاض في طور الحصول وكان النزف قليلاً يتريث المعالج حتى يتم الإجهاض من تلقاء نفسه، أما إذا كان النزف غزيراً أو كان الألم شديداً أو لم يُطرح محصول الحمل في بضع ساعات وجب إفراغ الرحم بالطريقة المناسبة لسن الحمل.

وأما في الإجهاض الناقص : فيجب إفراغ الرحم للإقلال من النزف والألم والوقاية من الخمج، وقد يتطلب الأمر نقل الدم أو إعطاء المصول.

وفي الإجهاض المنسي : لا يكون لانحباس الحمل الميت محاذير خطيرة إن لم يستمر الانحباس أكثر من شهر. إلا أن الحامل وأهلها يصرون غالباً على التخلص من هذا الحمل، كما يخشى من حدوث نقص مولد الفبرين إذا استمر الانحباس أكثر من شهرين، لذا ينصح بإفراغ الرحم بالتجريف بعد التوسيع أو بالمص بالمحجم أو بالتحريض بخلاصة فص النخامى الخلفي أو بالبروستاغلاندين بحسب الحالة.

ويجب بعد كل حادثة إجهاض تحري السبب - إن لم يكن معلوماً - للوقاية من حدوث إجهاض قادم - إن أمكن ذلك.

الاختلاطات : وأهمها الخمج والنزف. أما الخمج فقد يكون التهاب الرحم metritis أو التهاب النفير salpingitis أو التهاب الصفاق الحوضي pelviperitonitis أو خمج الدم septicemia ذا الإنذار الخطر. وكل هذه الأخماج نادرة في الإجهاضات العفوية.

وأما النزف فقد يكون شديداً إلى درجة تحدث الصدمة، وينجم عن إهمال المريضة أو عن انثقاب الرحم بالتجريف أو بتوسيع العنق وتمزقه.

ومن الاختلاطات البعيدة التصاق الرحم أو المضيق بعد التجريف غير الجيد، والاختلاطات النفسية كالسوداوية melancholia والفُصام schizophrenia.

الإجهاضات المتكررة أو المعتادة :

يقال: إن الإجهاضات متكررة أو معتادة حين حدوث ثلاثة إجهاضات عفوية متتالية من دون حدوث حمل بينها يصل إلى تمامه. وتزداد نسبة الإجهاض مع زيادة عدد الإجهاضات السابقة كما تدل الإحصاءات، فقد تبين أن محذور الإجهاض الأول 10?، ومحذور الإجهاض بعد إجهاض واحد 15?، والمحذور بعد إجهاضين 25? والمحذور بعد ثلاثة إجهاضات 30? أما المحذور بعد أربعة إجهاضات فهو 45? وقد تختلف النسب قليلاً.

أسباب الإجهاضات المتكررة : تنجم الإجهاضات المتكررة عن أسباب في محصول الحمل، وهي الأقل، وعن أسباب في الوالدة وهي الأكثر. وتكثر الإجهاضات من النوع الأول في وقت مبكر من الحمل، في حين تكثر الإجهاضات من النوع الثاني في وقت متأخر.

ومن الضروري دراسة صبغيات الوالدين حين تجهض المرأة مرتين متتاليتين أو أكثر، أو حين يكشف شذوذ صبغي في حاصلات الإجهاضات السابقة، أو حين ولادة جنين مصاب بتشوه يشك بأنه ناجم عن شذوذ في بنية الصبغيات. أما الأسباب الوالدية المحتملة للإجهاضات المتكررة فقد ذكرت في الحديث عن الإجهاض الحادثي، كالاضطرابات الهرمونية، وأسواء شكل الرحم الخلقية، وانقلاب الرحم الخلفي الثابت، واتساع فوهة عنق الرحم الباطنة. وقد يكون من أسباب الإجهاضات المتكررة الوالدية العوز الغذائي وتنافر الزمر ABO وبعض الاضطرابات النفسية مثل الشخصية غير الناضجة أو الخائبة، ولو أن ذلك غير ثابت فيها كلها. وتبين حديثاً وجود الأسباب المناعية، ذلك أن الحمل يعد طعماً غيرياً للحامل، ومع أن الجسم يطرح الطعوم الغيرية من نسج وأعضاء عفوياً، فإن الوالدة تتحمل هذا الطعم الغيري. ووضعت لهذه المسألة نظريات متعددة، والمقبول منها اليوم شأن المشيمة، فالمشيمة في الحالة الطبيعية تحرض استجابة مناعية للتحمل فتمنع دخول الخلايا التائية القاتلة للخلايا، ومعظم الأضداد الناجمة عن الأم إلى الجنين ولا يمر منها إلا IgG ولا تحدث هذه الاستجابة المناعية في الحالات غير الطبيعية فتصاب المشيمة بآفة تنكسية، ويفقد الجنين حمايته ويحدث الإجهاض.

تشخيص الإجهاضات المتكررة : يمكن التوصل إلى معرفة سبب الإجهاضات المتكررة غالباً بالفحص المنهجي الجيد قبل الحمل وفي أثنائه باستجواب المريضة المفصّل عن سوابقها وسوابق أسرتها، ثم بالفحص السريري الدقيق، وبالتحريات المختلفة الأخرى لدراسة صبغيات الوالدين، وعيار الهرمونات، ودراسة المخططات الحرارية، وفحص الخزعة، وفحص الدرق، وقياس التوتر الشرياني، وتحري السكري، ولاسيما الكامن، وإجراء صورة ظليلة للرحم لتحري التشوهات وتوسع العنق وغير ذلك.

المعالجة : إذا عرف سبب الإجهاضات المتكررة توجه المعالجة لإزالة السبب المحدث. ففي الاضطرابات الهرمونية: تتم المعالجة قبل الحمل إن أمكن، وتستمر المعالجة في أثنائه بإعطاء الهرمون المناسب، ولاسيما البروجسترون وخلاصة الدرق، وفي أسواء شكل الرحم الخلقية يمكن إصلاح بعضها بالمداخلات الجراحية المناسبة، كعملية ستراسمان Strasmanns أو عملية بالمر Palmer. وفي توسع فوهة عنق الرحم: تتم المعالجة بتطويق العنق في بداية الشهر الثالث من الحمل.

وفي كل الحالات توصى الحامل بالخلود إلى الراحة في أثناء الحمل. وتختلف نسبة نجاح جميع هذه المعالجات باختلاف نوع الآفة المسببة وطريقة المعالجة وزمن البدء بها.

الإجهاضات المحرَّضة

وهي إخراج محصول الحمل من الرحم قبل قابليته للحياة، وهي نوعان: الإجهاضات المحرضة الدوائية therapeutic abortions والغاية منها إنقاذ حياة الحامل من مرض خطر يهدد حياتها إذا استمر الحمل، سواء كان المرض بسبب الحمل أو غير ذلك. والإجهاضات المحرضة الجنائية criminal abortions، والغاية منها تخليص الحامل السليمة من حمل غير مرغوب فيه لأسباب أخلاقية أو اقتصادية أو اجتماعية. وقد تطور مفهوم كل من هذين النوعين في الوقت الحاضر. فتقلص عدد الإجهاضات الدوائية كثيراً لتقدم الوسائل العلاجية لمختلف الأمراض التي كان يستطب فيها بالإجهاض، لأنها كانت تعد شديدة الخطورة على حياة الحامل. وظهر من جهة ثانية نوع جديد من الإجهاضات المحرضة غايتها تحسين النسل بالتخلص من جنين يحمل عيباً أو تشوهاً إرثياً. ويمكن ضمّ هذا النوع الحديث من الإجهاضات إلى الإجهاضات الدوائية أو جعله نوعاً مستقلاً.

وأما الإجهاضات الجنائية فقد زاد عددها كثيراً حتى أصبحت تشمل 95? من مجموع الإجهاضات في الدول التي نزعت عنها الصفة الجنائية، وألبستها حلة قانونية، وأوجدت لها المسوغات الاجتماعية الكافية. وبهذا التفكير الجديد أصبحت الإجهاضات المحرضة تسمى الإجهاضات الوقائية وتقسم إلى ثلاثة أنواع: الإجهاضات الدوائية، وإجهاضات تحسين النسل، والإجهاضات الاجتماعية.

الإجهاضات الدوائية :

الإجهاض الدوائي عمل وقائي غايته تجنب اشتداد مرضٍ ما بتأثير الحمل، سواء هدد حياة الحامل بالموت أو أثر في صحتها تأثيراً شديداً من دون أن يهدد حياتها.

ونظراً لتقدم وسائل العلاج فقد أصبحت هذه الإجهاضات قليلة.

استطبابات الإجهاض الدوائي : إن أهم استطبابات الإجهاض الدوائي هي:

  • الآفات الوعائية الكلوية : وأكثرها شأناً في هذا الموضوع التهاب الكلية الكبيبي glomerular nephritis مع ارتفاع التوتر الشرياني، بسبب اشتداده الثابت منذ بداية الحمل وقصور الكلية والاعتلال الشبكي. 

  • الآفات القلبية : والاستطباب الوحيد للإجهاض الدوائي هو الآفات القلبية المحدثة للزراق cyanosis مع فرط التوتر الرئوي التي لم تُبضع سابقاً، أما النساء المبضوعات فيستطعن الحمل سواء كن يحملن صمام ستار Starr أو الناظمة pacemaker أو أية عملية جراحية لسوء شكل ولادي. أما الآفات الصمامية فيمكن أن تصل فيها الحامل إلى تمام حملها وأن تضعه تحت الرقابة الجيدة بولادة طبيعية. 

  • الآفات التنفسية : وتنحصر في بعض حالات القصور التنفسي الخطرة الناجمة عن تدرن منتشر، أو عن تضيق القصبات، أو في النساء المستأصلة إحدى رئتيهن. 

  • السرطانات : وتشمل سرطان عنق الرحم، وسرطان الثدي، وداء هودجكين Hodgkin.

    ويعد سرطان عنق الرحم المنتشر استطباباً أكيداً للإجهاض الذي يجب أن يجرى عن طريق البطن، فإما أن تستبقى الرحم وتفرغ إذا تقررت المعالجة الشعاعية، أو تستأصل مع الحمل إن تقررت المعالجة الجراحية. أما السرطان الموضَّع فيمكن الإبقاء على الحمل في حالته وقطع عنق الرحم فقط، وهو يكفي للتشخيص والمعالجة في وقت معاً، ولايؤثر في سير الحمل، وتراقب الحامل بعد ذلك بالفحوص الخلوية، وبالتنظير المكبر.

    وأما سرطان الثدي فيستطب فيه الإجهاض إلا إذا رفضت المريضة ذلك فيستمر الحمل عندها وتعالج المريضة بالجراحة التي لا تضر بسير الحمل، أو شعاعياً مع وقاية البطن وقاية جيدة.

    ويستطب الإجهاض في داء هودجكين : لأن الحمل يعيق إجراء بعض الاستقصاءات الضرورية للتشخيص كتصوير الأوعية اللمفية كما يعيق بعض المعالجات السريعة كالمعالجة بالكوبالت. 

  • الآفات الجلدية : يستطب الإجهاض في بعض الأمراض الجلدية المكتسبة كالقوباء الحلئية الشكل impetigo herpetiformis ، والبرفيرية الشديدة porphyria ولاسيما الكبدية، والملانوم melanoma الخبيث الذي ينتقل عبر المشيمة. كما يستطب في بعض الآفات الإرثية بسبب الخطر الكبير على الجنين. ويجب أن يتخذ القرار بعد فحص الخلايا الجنينية: كالصوملة الصباغية xeroderma pigmentosum والسماك الشائع ichtyosis vulgaris. وثمة أمراض جلدية إرثية أخرى يستطب الإجهاض في حالات منها فقط بحسب شدة الآفة عند الحامل وتقدير الخطر على الجنين، كالداء العصبي الليفي أو داء ركلينكهاوزن Recklinghausen  الذي ينتقل في الأسرة بنسبة 100?، وتمزق النسيج المرن elastorrhexis، أو داء غرونبلاد - ستراندبرغ. 

  • الأمراض النفسية : إن أكثر الآفات النفسية خطراً على الحمل هي التي يخشى معها من انتحار المريضة. وليس من السهل الجزم بإمكان الإقدام على الانتحار الذي قد تتظاهر المرأة به نوعاً من الابتزاز، علماً بأن انتحار النساء الحوامل ليس نادراً أيضاً. وموقف الطبيب من تقرير استطباب الإجهاض موقف شديد الصعوبة.

    ومن الحالات التي يستطب فيها الإجهاض حالة المريضات العقليات، أو المعتوهات اللواتي لايمكن مراقبتهن في استعمال موانع الحمل، والمشكلة في حملهن هي مشكلة الأطفال الذين ستضعهم هؤلاء النسوة وإمكان انتقال الآفة إليهم بالإرث.

    ومن الحالات التي يصعب فيها وضع الاستطبابات كذلك حالة الذهان psychosis التي قد تشتد في أثناء الحمل، ولكن شفاءها غير مؤكد باللجوء إلى الإجهاض الدوائي.

كيف يتم الإجهاض الدوائي : إن طرائق إفراغ الرحم هنا هي نفسها التي ذكرت في إفراغ الإجهاض المنسي، كالتجريف الآلي، أو بالمص، والتحريض بخلاصة الفص الخلفي للنخامى، أو بالبروستاغلاندين. قد يلجأ في بعض الحالات إلى طريق البطن رأساً أو بعد إخفاق التحريض.

الإجهاض لتحسين النسل :

الغاية من هذا الإجهاض التخلص من جنين يحمل عيباً إرثياً أو تشوهاً خلقياً (ولادياً) ولوضع استطباب الإجهاض تجب معرفة وجود التشوه، الأمر الذي لم يكن التأكد منه ممكناً في الماضي على الرغم من الشك به، فقد كان يشك بولادة مولود مغولي مثلاً إذا حملت المرأة بعد سن معينة، ويشك بولادة جنين مشوه إذا أصيبت الحامل بالحميراء (الحصبة الألمانية) من دون أن يستطاع في الحالتين الجزم بالنتائج.

أما اليوم فقد أصبحت معرفة تشوه المضغة داخل الرحم والتنبؤ بحدوث التشوه الجنيني ممكنين بفضل تقدم العلوم في الآونة الأخيرة ولاسيما علم الوراثة ومبحث الأمصال من جهة، وبتقدم وسائل الاستقصاء المختلفة ولاسيما بزل السلى (السائل الأمنيوسي) من جهة ثانية، وبالتحليل العلمي لعوامل الخطورة بحسب مختلف المعطيات كالإرث وعادات الحياة والمحيط ووجود بعض الأمراض وتناول بعض الأدوية من جهة ثالثة.

وأسباب الشذوذات : إما وراثية وإما ولادية. وترتبط الوراثية منها غالباً بشذوذ صبغي أو بمرض استقلابي، في حين تحدث الولادية من اضطراب في أثناء الإلقاح نتيجة اضطراب البيضة في بدء الحمل بسبب الأخماج أو الانسمام أو التعرض للأشعة.

  • تشخيص الآفات الوراثية قبل الولادة : يمكن تشخيص هذه الآفات بدراسة السائل الأمنيوسي الذي يبزل نحو الأسبوع الرابع عشر من الحمل، أي في نهاية الشهر الثالث، وتدرس الخلايا الجنينية المتوسفة فيه بالفحص المباشر وبالزرع من الوجهات النسيجية والحيوية الكيمياوية والخمائرية والاستقلابية، ويعين الجنس الصبغي (جسم بار)، كما يدرس السائل نفسه من الوجهات الحيوية والكيمياوية والهرمونية. وتكشف بهذه الدراسة الشذوذات الصبغية والاستقلابية. أما الشذوذات الصبغية فلبعضها مظاهر سريرية وصفية كمتلازمة تورنر ومتلازمة كلينفلتر Klinefelter syndrome والمغولية، في حين تبدو لبعض الشذوذات الأخرى متلازمات سريرية أقل نوعية، ومع ذلك يعد الشخص الذي يحمل هذه الشذوذات غير طبيعي. ويفيد فحص الخلايا في تعيين جنس الجنين كذلك، فإن كانت الوالدة مصابة بالناعور hemophilia وكان الجنين ذكراً كانت نسبة إصابته 50?.

    وأما الشذوذات الاستقلابية فهناك أمراض استقلابية ترتبط بنقص فعالية الجملة الخمائرية أو بغيابها، ويمكن كشف بعض هذه الأمراض في الجنين بدراسة الفعالية الخمائرية للخلايا الأمنيوسية المزروعة، فقد تكون اضطرابات الاستقلاب هذه في الحموض الأمينية أو في ماءات الفحم أو في الشحميات (اللبيدات).

     

  • الأمراض الجنينية المشوِّهة : تتأثر المضغة ولاسيما في بدء تكونها ببعض العوامل الخارجية، ويؤدي ذلك إلى حدوث تشوهات في الأجنة. ولايمكن حتى الآن حصر هذه العوامل أو معرفة مدى تأثير معظمها. ولايمكن اعتماد نتائج التجارب على الحيوانات في الإنسان، فكثير من العوامل التي ثبت تأثيرها المشوه في الحيوانات كانت غير مشوهة في الإنسان وبالعكس. ومن العوامل التي ثبت تأثيرها المشوه بنحو أكبر، ولكن لايمكن الجزم بحدوث التشوه في الإنسان الأخماج. فمن المحتمل أن تؤثر كل الأمراض الخمجية التي تصيب الحامل في محصول الحمل، وكلما كانت الإصابة مبكرة كان الخوف من التشوه، لأن الحمل ينتهي بمولود طبيعي في كثير من الحالات ويستثنى من ذلك الحميراء (الحصبة الألمانية) التي ثبت تأثيرها المشوه في المضغة، ويستطب لذلك إجراء الإجهاض الدوائي بعد التأكد بالتفاعلات المصلية أن الإصابة حديثة وأن المرأة كانت غير ممنعة من الحصبة.

    ومن العوامل كذلك العوامل الكيمياوية ولاسيما الصادات والأدوية المضادة للسرطان ومنها الهرمونات، فالهرمونات المؤثرة في المضغة هي مضادات الغدة الدرقية التركيبية ومضادات السكري المستعملة عن طريق الفم. أما الستروئيدات الجنسية فلبعضها تأثير مشوّه بسيط كالبروجسترونات المشتقة من النورستروئيد norsteroides والأندروجينات التي لها تأثير مذِّكر كذلك. ومن هذه العوامل الإشعاعات، ويتعلق تأثير الإشعاع المشوّه بعاملين: سن الحمل، وكمية الإشعاع، ويزداد تأثر البيضة كلما كانت أصغر سناً. وتكون الأشعة في الأيام الأولى من تطور البيضة، أي في طور التوتة morula مميتة أو غير مؤثرة إطلاقاً، وهذا قانون «كل شيء أو لاشيء»، وتكون البيضة بعد ذلك، أي في طور تكون المعيدة gastrulation شديدة الحساسية بالأشعة. ويكبر الخطر على الجنين مع زيادة كمية الأشعة. واستعمال الأشعة في المعالجة أشد خطراً من استعمالها في التشخيص، لأن مقاديرها في المعالجة تكون أكبر. أما تقدير درجة الخطورة حين استعمال الأشعة للتشخيص في نساء لا يعلم أنهن حاملات، فيتطلب دراسة رياضية للمقدار الكلي المعطى من الأشعة، ويبدو أن الخطر معدوم على الجنين في الشهر الأول إذا كان المقدار أقل من 20 رنتغن، أما إذا كان المقدار بين 40 رنتعن و 50 رنتغن فخطر التشوه 40 - 60? ويصبح الخطر 100? إذا كان المقدار أكبر من 60 رنتغن.

الإجهاض الاجتماعي :

الغاية من الإجهاض الاجتماعي (القانوني أو الجنائي) التخلص من حمل غير مرغوب فيه من دون أن يكون في الحمل أو الحامل سبب طبي ما. وهو أكثر أنواع الإجهاضات خطراً لأنه يبلغ 95? من كل الإجهاضات الوقائية، وقدر عدد هذه الإجهاضات في العالم عام 1985 بخمسين مليون حادثة. والواقع أن عدد الإجهاضات في البلاد الأوربية يزيد على عدد الولادات، ومن المؤكد أن سهولة الإجهاض وقلة التكاليف ومجانيته في بعض البلدان من الأسباب التي تفسر انتشار هذه الطريقة.

أسباب الإجهاض الاجتماعي : إن الأسباب التي تدفع الحامل إلى التخلص من الحمل كثيرة، فهو الحل الوحيد الممكن لحالات الاغتصاب، والعلاقات بين الأقارب، وحمول المطلقات والأرامل والبنات العازبات. وهو الحل عند المتزوجات اللواتي لا يقبلن استعمال موانع الحمل أو لايعرفن كيف يستعملنها أو لا يتحملن استعمالها، ويردن مع ذلك تحديد حمولهن، وهو الحل الذي يلجأ إليه المتزوجون الجدد ذوو الطموح الكبير والدخل المحدود الذين يضعون الأولاد في ترتيب الأفضليات بعد السيارة والدار.

كل هذه الأسباب، وغيرها كثير، لم يكن الإجهاض من أجلها مسموحاً به في الماضي، وكان يعد جناية تستوجب العقاب، ومازال الأمر كذلك في بعض البلدان. لذلك يقوم به بعض الأطباء أو غير الأطباء بقصد الربح المادي خارجين بذلك على القانون.

ولما كانت معظم هذه الإجهاضات تجري بأيد غير خبيرة وبطرائق غير فنية، وبوسائل غير معقمة، فقد كانت الاختلاطات الناجمة عنها كثيرة وخطيرة ولاسيما الأخماج المختلفة التوضعات التي قد تصل أحياناً إلى حدّ الصدمة الانتانية أو خمج الدم septicemia الشديدي الخطورة، وهذا ما حدا إلى التفكير بتوسيع استطبابات الإجهاض الاجتماعي لتشمل كل الأسباب التي تدعو إلى اللجوء إليه. وقد بلغ الأمر في بعض البلدان السماح الكامل بالإجهاض من دون قيد أو شرط على أن يتم في أوساط فنية وبشروط جيدة، تحافظ على صحة المريضات وحياتهن وتحول دون تعرضهن للاختلاطات الخطرة.

تشخيص الإجهاض الاجتماعي : تراجع المريضة لنزف تناسلي، ويبدو بالفحص أن عنق الرحم مفتوح بدرجات مختلفة، ويكون حجم الرحم أكبر من الحجم الطبيعي، والحالة العامة متوسطة تدل على الخمج أكثر مما تدل على النزف المديد. وهنا يجب وضع المريضة تحت المراقبة للتأكد من توقف النزف ولإجراء الفحوص الدموية والضرورية، ولتطبيق المعالجة بالصادات ومضادات الكزاز.

وإذا ما وجد بالفحص أن الإجهاض لم يتم بعد، وكان عنق الرحم طويلاً ومغلقاً فيجب التوقف عن كل فعل، وإقناع المريضة بالعدول عن تكرار محاولة الإجهاض ولو أن هذا غير مجد في الغالب. أما إذا كان الإجهاض تاماً فيجب فحص جوف الرحم تحت التخدير للتأكد من فراغها ومن سلامة جدرها.

ومن المناسب دائماً محاولة معرفة الوسيلة التي استعملتها المريضة للإجهاض، فقد يساعد ذلك في تعليل الاختلاط الحادث.

الاختلاطات والتدبير : يؤدي الإجهاض الجنائي إلى اختلاطات موضعية ومنطقية وعامة. ومن الاختلاطات الموضعية انحباس المشيمة الذي قد يؤدي إلى النزف أو الخمج ويعالج بالتجريف الإصبعي أو الآلي بمجرفة كليلة. ويعوض النزف الحادث، ويحارب الخمج بالصادات. ومنها الآفات الرضيّة الناجمة عن استعمال وسائل راضة، ويغلب أن تتوضع في مضيق الرحم، وقد لا يتعدى الرض الصفاق، ويكفي عندها مراقبة المريضة وإعطاء الصادات وقد يتعداه فيصل إلى جوف البطن، ولابد عندئذ من التدخل الجراحي لاستئصال الرحم. ومنها كذلك احتشاء الرحم وهو نادر وخطر، يبدو بصدمة مع هبوط التوتر الشرياني وحالة التهابية شديدة وزرام anuria ويغلب أن تنجم عن العصيات الحاطمة bacillus perfringens. تعالج الصدمة وتعطى الصادات، وتستأصل الرحم مع الإبقاء على المبيضين إن أمكن، ومع  كل الوسائل الحديثة في المعالجة تبقى نسبة الموت في هذه الإصابة مرتفعة.

أما الاختلاطات المنطقية فهي اختلاطات خمجية تنتشر من الرحم إلى أعضاء الحوض الأخرى ومنها التهاب الصفاق الحوضي، وخراج رتج دوغلاس وفلغمون الرباط العريض، والتهاب النفيرين. ولكل هذه الاختلاطات أعراضها المعروفة.

وقد يتلو انثـقاب الرحم التهاب الصفاق المعمم، كما قد تحدث الاختلاطات الوريدية مع الخثرات والصمامات النتنة، وإنذارها سيء.

وأما الاختلاطات العامة فمنها خمج الدم ولاسيما المكورات العقدية الحالة للدم streptococcus hemolytic التي قد تؤدي إلى خمج معمم وخيم مع فقر الدم. ومنها الانسمامات الخمجية، بالعصيات الحاطمة، أو بالعصيات القولونية أو بعامل الكزاز، وكلها سيئة الإنذار بدرجة شديدة. ومنها كذلك الانسمام بالأدوية المجهضة التي تناولتها المريضة وتبدو باضطرابات حواسية وفقد الوعي، ويرقان وزُرام بالتهاب الكبد والكلية أو التهاب الكلية الحاد التالي لتناول أملاح المعادن الثقيلة. ثم إن منها الاضطرابات العصبية، كالإغماء المميت حين دخول المادة المجهضة لعنق الرحم فوراً وقد يكون سبَبَه منعكسٌ محرك وعائي يبدأ موضعياً، والخثرات الوريدية الدماغية مع النوب الاختلاجية والاضطرابات النفسية.

وقد تترك الإجهاضات المحرضة - سواء حدثت اختلاطات سريعة أم لم تحدث - بعض العراقيل البعيدة، كالتهاب ما حول الرحم المزمن، والتهاب النفيرين المزمن، والعقم، والاضطرابات الوظيفية كعسرة الطمث، والاضطرابات النفسانية ولاسيما الشعور بالذنب الذي يزداد حين حدوث العراقيل العضوية كالألم أو العقم. وإذا حدث الحمل بعد مدة فقد يحدث الحمل البوقي أو المشيمة المنزاحة أو نزف الخلاص أو تمزق الرحم، ولكل من هذه العوارض اختلاطاتها الخاصة التي قد تؤدي إلى الموت.

إن كثرة اختلاطات الإجهاض الجنائي وعراقيله تدعو للعمل على وقف تيار هذه الإجهاضات بكل الوسائل وإيجاد الحلول المناسبة لمنع حدوث الحمول غير المرغوب فيها بوسائل أقل خطراً.

 

إبراهيم حقي

الإجهاض في التشريع

اختلفت آراء الفلاسفة والمصلحين والمشرعين ورجال الدين وغيرهم حول الإجهاض والموقف حياله ما بين مؤيد ومعارض، ولكل منهم حجته.

ويرى المؤيدون أن في الإجهاض مخرجاً لتفادي الانفجار السكاني، وأنه يخفف عن المرأة متاعب الحياة، ويوفر لها القدرة على الانصراف إلى عملها، والحرية التامة في اختيارها للأمومة. بالإضافة إلى استحالة منع عمليات الإجهاض مطلقاً، كما أن مثل هذه العمليات قد تتم بعيداً عن رقابة القانون.

أما معارضو الإجهاض فيقولون إن الجنين كائن حي، والإجهاض قتل نفس بريئة، وإن إباحته ستؤدي إلى شيوع الفاحشة، وإن نتائجه تبقى خطرة على الصحة والسلامة مهما تقدم الطب وفن المداواة، فضلاً عن أنه يقوض بنيان الجماعة ويقلل من المواليد، ويقلل بالتالي من الأيدي المنتجة ما ينعكس سلباً على الوضع الاقتصادي للمجتمع.

وانطلاقاً من هذه الحجج والأسانيد بنيت مواقف الشرائع من الإجهاض على مر التاريخ. وربما كان قانون حمورابي من أوائل التشريعات التي عاقبت على الإجهاض الذي يقع على المرأة من دون رضاها. أما الإجهاض الذي تقوم به المرأة نفسها أو يساعدها فيه شخص آخر برضاها فلم يرد بشأنه أي نص في قانون حمورابي أو في غيره من القوانين والأنظمة القديمة. وفرقت الشريعة الموسوية في تحريم الإجهاض وإباحته بين مرحلتين من عمر الجنين، فأباحته في الأشهر الثلاثة الأولى وحرمته بعد ذلك. ولم ترد في الشريعة المسيحية أي نصوص أو أحكام تبيح الإجهاض أو تحرمه. إلا أن أكثر الكنائس المسيحية كانت، ولم تزل إلى اليوم، تحرم الإجهاض مطلقاً. وهي تعده جريمة دينية يستحق مرتكبها عقوبة الإعدام. وهي لا تبيح الإجهاض لأي سبب مطلقاً، ولو كان استمرار الحمل أو الولادة، سيؤديان إلى وفاة الحامل. ولقد سجل قانون الحقوق الكنسية هذا الحكم صراحةً. فقضى أنه إذا كان لابد من موت الأم أو الجنين فيجب التضحية بحياة الأم والإبقاء على حياة الجنين. وقد انتقل هذا الحكم، كما هو، إلى قانون الجزاء الذي وضعه شارلكان (شارل الخامس) واستمر العمل به في كل أوربة منذ سنة 1532 حتى قيام الثورة الفرنسية.

أما في الشريعة الإسلامية فقد تم التفريق بين حالتين من حالات الإجهاض هما: الإجهاض الواقع على المرأة من دون رضاها، وإجهاض المرأة نفسها أو برضاها. ففي الحالة الأولى يكون الفاعل قد ارتكب جريمة يترتب عليها التزام عصبة الفاعل (أي أقاربه) بدية الجنين يؤدونها إلى ورثته. أو يؤدونها إلى أمه. ودية الجنين عشر دية الشخص العادي. أما في الحالة الثانية فقد لاحظ الفقهاء أن النصوص الشرعية جاءت خالية من بيان الحكم فيها. وقد اجتهد الفقهاء في الحكم الشرعي لهذه الحالة وانعقد اجتماعهم على أن الإجهاض حرام بعد تمام الأشهر الأربعة الأولى من عمر الحمل، لأن الروح تنفخ في الجنين عند تمامها وفقاً لعدد من الأحاديث النبوية. أما قبل ذلك فقد اختلفوا بين مبيح مطلقاً ومبيح في الأربعين يوماً الأولى من عمر الحمل.

ومع ذلك فإن المانعين مطلقاً، وكذلك المبيحين في الأربعين يوماً الأولى أباحوا الإجهاض للضرورة أو الحاجة كالمحافظة على حياة الأم أو صحتها، أو إذا كان الحمل ناشئاً عن جريمة اغتصاب، أو غير ذلك من الأسباب التي تتسع لها حالة الضرورة دفعاً للضرر الأشد بالضرر الأخف.

وقد ظلت أحكام الشريعة الإسلامية هذه مطبقة في البلاد العربية والإسلامية كافة حتى منتصف القرن التاسع عشر عندما أقدمت الدولة العثمانية على استمداد قانون للعقوبات من التشريع الفرنسي سنة 1858، ومنعت بموجب المادتين 192 و193 منه الإجهاض مطلقاً بصرف النظر عن عمر الجنين. وقد طبق هذا القانون على كل البلدان العربية التي كانت خاضعة للحكم العثماني آنذاك. باستثناء مصر التي كانت قد أصدرت سنة 1855 قانون الجزاء «الهمايوني» المستمد من التشريع الفرنسي أيضاً. ومن هنا جاء تحريم الإجهاض مطلقاً في غالبية الدول العربية والإسلامية حتى اليوم.

وتجدر الإشارة إلى أن تعاليم الكنيسة حول تحريم الإجهاض مطلقاً، والمعاقبة عليه بالإعدام، ظلت هي السائدة في أوربة، وفي الدول التي استعمرتها أوربة زمناً طويلاً.

إلا أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر بدأت التشريعات تخفف من عقوبة الإجهاض. فأصبحت السجن المؤبد، أو السجن عشرين عاماً، بدلاً من الإعدام. وتوالت التطورات بعد ذلك، فكان قانون العقوبات الفنلندي الصادر سنة 1889 أول قانون يبيح الإجهاض إنقاذاً لحياة الأم من خطر الموت، أو تفادياً لإرباكات خطيرة بدنية أو نفسية أو عقلية يمكن أن يسببها الحمل للمرأة. وكانت الدانمرك أول دولة تبيح الإجهاض مطلقاً سنة 1933، وتبعتها سويسرة سنة 1942، ثم اليابان سنة 1948، ثم تشيكوسلوفاكية والمجر سنة 1950، ثم يوغسلافية سنة 1951، وكذلك بلغارية وآيسلندة واليونان. ثم الاتحاد السوفييتي سنة 1955، ثم فرنسة سنة 1975.

والواقع أن معظم القوانين الأوربية قد تخلت اليوم عن حكم الكنيسة في تحريم الإجهاض، فأصبح مباحاً.

أما الدول العربية فما زالت تحرمه إلا إنقاذاً لحياة الأم من خطر الموت. وبعض هذه الدول كالأردن تبيحه محافظة على الصحة العامة للأم، أو تفادياً لولادة أطفال مشوهين شريطة أن يتم الإجهاض قبل مرور أربعة أشهر على الحمل كما في الكويت.

والواقع أن التشريعات التي مازالت تعد الإجهاض - أو بعض حالاته - جريمة، تختلف فيما بينها في طبيعة الحق المعتدى عليه وفي العقوبة على هذه الجريمة.

الحق المعتدى عليه في جريمة الإجهاض

يذهب بعض التشريعات إلى أن الإجهاض المسبب جريمة واقعة على المرأة الحامل وسلامتها. ومن هذا الاتجاه قانونا العقوبات المصري والعراقي. وتذهب تشريعات أخرى إلى أنها واقعة على الأسرة. ومن هذا الاتجاه قانون العقوبات في روسية الاتحادية. في حين تذهب تشريعات أخرى على أنه جريمة واقعة على الأخلاق والآداب العامة. ومن هذا الاتجاه قوانين العقوبات اللبناني والسوري والأردني. وذهبت تشريعات أخرى إلى أنه جريمة واقعة على السلالة التي ينتمي إليها المواطن. ومن هذا الاتجاه قانون العقوبات الإيطالي. أما الشريعة الإسلامية فقد انفردت في نظرتها إلى هذه الجريمة التي رأت فيها اعتداءً على حق الجنين في الحياة. وهذا هو الاتجاه الذي سار عليه قانون العقوبات السوداني الصادر سنة 1991.

أركان جريمة الإجهاض :

لجريمة الإجهاض، ككل جريمة، ركن مادي وركن معنوي.

أما الركن المادي: فيتألف من عناصر ثلاثة هي: المسلك الإجرامي، والنتيجة الجرمية، والعلاقة السببية بينهما.

  1. المسلك الإجرامي: وهو يتمثل بأي وسيلة إيجابية أو سلبية، مادية أو معنوية تُفضي إلى الإجهاض. فالضرب أو الجرح أو الضغط على البطن أو ارتداء الملابس الضيقة أو تناول بعض العقاقير المجهضة أو تجويع الحامل أو صيامها - ولو في رمضان - أو الامتناع عن معالجتها من عارض صحي أو ترويعها أو تهديدها بالقتل أو الضرب والصراخ في وجهها أو تفجير قنبلة صوتية على مقربة منها، كل ذلك تشمله جريمة الإجهاض شرعاً وقانوناً. 

  2. النتيجة الجرمية: وتتمثل في إسقاط المرأة الحامل حملها. إلا أن جريمة الإجهاض يمكن أن تقوم ولو لم يخرج الحمل من رحم أمه بعد وفاته فوراً، وتأخر ذلك حتى إجراء عمل جراحي لإخراجه، كما لو حقنه الطبيب وهو في رحم أمه بحقنة قاتلة. في حين لا تقوم هذه الجريمة إذا خرج الجنين حياً ثم تابع حياته خارج رحم أمه كسائر المواليد وبقي على قيد الحياة مدة. لأن المطلوب في النتيجة الجرمية اجتماع أمرين اثنين: موت الجنين، وخروجه - عاجلاً أو آجلاً - من رحم أمه. وهذا هو ما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية. أما في القوانين الوضعية، فقد اختلف رجال القانون في تحديد الإجهاض. فاكتفى بعضهم بخروج الجنين قبل الموعد الطبيعي للولادة، وتطلب آخرون وفاة الحمل وخروجه من الرحم معاً. 

  3. العلاقة السببية: لابد لنسبة جريمة الإجهاض إلى فاعلها من قيام رابطة سببية حقيقية بين مسلك هذا الفاعل الإجرامي من جهة، والنتيجة الجرمية المنسوبة إليه من جهة أخرى. وما لم تتحقق هذه الرابطة السببية فلا يمكن مساءلته عن جريمة الإجهاض.

وأما الركن المعنوي: فله صورتان اثنتان هما: القصد الإجرامي، والخطأ.

  1. القصد الإجرامي: وهو في جريمة الإجهاض إرادة ارتكاب هذه الجريمة، مع العلم بكونها جريمة يعاقب عليها القانون. وذلك لأن العلم والإرادة هما عنصرا القصد الإجرامي.

    ومن الممكن أن يتنوع القصد الإجرامي في الإجهاض. فهو قد يكون بسيطاً يقصده الفاعل وقت ارتكاب الجرم من دون تبييت. وقد يكون عمداً، أي مخططاً له من قبل. والحكم واحد في الحالتين، ذلك أن القوانين التي تفرق بين القصد من جهة، والعمد من جهة أخرى إنما تقصر هذا التفريق على جرائم الدم فقط، وهي القتل والجرح والضرب والإيذاء، وليس الإجهاض مع ما يسفح فيه من دماء - واحداً من جرائم الدم هذه لدى أيّ من قوانين العالم حتى اليوم.

    والقصد الإجرامي أيضاً، قد يكون مباشراً يقصد الفاعل منه أن تجهض المرأة وقد يكون احتمالياً لا يقصده الفاعل مباشرة، ولكنه لا يبالي باحتمال حدوثه، أو ربما يرحب به، في سبيل الوصول إلى غرض معين آخر. 

  2. الخطأ: إن من الممكن تصور وقوع الإجهاض بطريق الخطأ، ولكن معظم التشريعات الجزائية تعد جريمة الإجهاض، جريمة مقصودة دائماً ولا تقع بطريق الخطأ. إلا أن تشريعات قليلة خالفت هذا الاتجاه العام. فنصت صراحةً على أن الإجهاض الواقع بطريق الخطأ جريمة. من ذلك مثلاً قانون العقوبات القطري لسنة 1971 (المادة 173).

    أما في الشريعة الإسلامية فالإجماع منعقد على أن الإجهاض بطريق الخطأ جريمة يترتب عليها جزاؤها المقرر شرعاً.

عقوبة جريمة الإجهاض :

العقوبة هي الجزاء المقرر في التشريع على ارتكاب الجريمة. وعقوبة الإجهاض في القوانين الجزائية الوضعية هي الحبس, وربما أضافت إليها بعض القوانين الأشغال الشاقة، في بعض الحالات.

وتميّز هذه القوانين في العقوبة، رضا الحامل بالإجهاض من عدم رضاها به. كما تميّز وفاة المرأة الحامل بنتيجة الإجهاض من عدم وفاتها من جهة أخرى. فالإجهاض الرضائي - وهو الذي تقوم به الحامل بنفسها أو ترضى أن يجريه لها شخص آخر - يُعد إذا لم يفض إلى الوفاة جنحة لدى معظم التشريعات الوضعية، باستثناء قانون العقوبات القطري لسنة 1971 الذي عد جميع صور الإجهاض جنائية الوصف (المادة 170). أما الإجهاض غير الرضائي فيعد جناية، ولو لم يفض إلى وفاة الحامل. وأما الإجهاض الذي يفضي إلى موت المرأة الحامل، فإنه يعد جناية سواء أكان رضائياً أم غير رضائي.

ويذهب بعض التشريعات إلى تشديد العقوبة إذا نتج الموت عن استعمال وسائل أشد خطراً من الوسائل التي رضيت المرأة أن يتم الإجهاض بوساطتها. من ذلك قانون العقوبات اللبناني لسنة 1943، وقانون العقوبات السوري لسنة 1949.

ويشدد معظم التشريعات العقوبة إذا كان الفاعل طبيباً، أو صيدلياً، أو ممرضاً، أو قابلة قانونية، وذلك لسهولة ارتكاب هذه الجريمة من قبل هؤلاء الأشخاص، ولقدرتهم - أكثر من غيرهم - على استخدام فنهم وعلمهم في طمس معالمها، مما يغري الحامل باللجوء إليهم، ولمعرفتهم أكثر من غيرهم بأخطار الإجهاض وسوء آثاره. على أن القانون الروسي ذهب مذهباً معاكساً في هذه المسألة، فقد عدت المادة 116 منه عدم تمتع الفاعل بصفة الطبيب أو من في حكمه، هو السبب المشدد في العقوبة. وذلك لأن الطبيب أقدر من غيره فناً وعلماً على إجراء الإجهاض. ولن يكون لقيامه هو بهذا العمل - في أغلب الأحيان - تلك الآثار السيئة التي قد تنتج عن قيام غير الطبيب به. ولأن في إقدام غير الطبيب على التسبب في إجهاض الحوامل استخفافاً بحياتهن. وهذا يدل على نفسية آثمة وخطرة تستحق أن يشدد عليها العقوبة.

ويذهب بعض القوانين إلى منح المجرم في جريمة الإجهاض عذراً مخففاً إذا قام به حفاظاً على شرف إحدى فروعه أو إحدى قريباته. من ذلك مثلاً قانون العقوبات الإيطالي لسنة 1930، وقانون العقوبات الإسباني لسنة 1944، وقانون العقوبات اللبناني لسنة 1943، وقانون العقوبات السوري لسنة 1949، وقانون العقوبات الأردني لسنة 1960.

أما في الشريعة الإسلامية فالجزاء على الإجهاض هو الدية. والدية الواجبة هنا هي دية الجنين، وتسمى «الغُرّة». وهذا هو الجزاء القضائي. أما الجزاء الشرعي فهو الكفارة وفقاً لبعض المذاهب. وهي - في الأصل - تحرير رقبة مؤمنة. فمن لم يجد - وهذا هو واقع الحال اليوم - فصيام شهرين متتابعين.

ولا فرق في الجزاء على الإجهاض هنا بين رضا المرأة الحامل به أو عدم رضاها. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الشريعة الإسلامية تعد الإجهاض المحرّم جناية واقعة على الجنين وحقه في الحياة. ولذلك لا يعتد برضاها أو عدم رضاها به. كما لا فرق أيضاً بين الإجهاض الذي يفضي إلى موت المرأة الحامل، والإجهاض الذي لم يفض إلى موتها. فعقوبة الإجهاض مستقلة تماماً عن عقوبة إزهاق روح المرأة الحامل، وهذا محل إجماع الفقهاء.

أما إذا كان الإجهاض ناتجاً من موت المرأة الحامل فهذا ما اختلفت فيه المذاهب الفقهية. فذهب الحنفية، والمالكية، إلى أنه لاشيء فيه. لأن موت الأم سبب لموت الجنين ظاهراً فيحال عليه. وذهب الجعفرية من الشيعة، والشافعية، والحنابلة إلى أن فيه «الغّرة» لأنه تلف بجناية الجاني، وعلم موته بخروجه، فوجب ضمانه.

ويتطلب جمهور الفقهاء لاستحقاق «الغرة» في الإجهاض أن يكون في محصول الحمل معالم صورة ظاهرة أو خفية. وإلا فلا تجب «الغرة». وخالف المالكية فلم يشترطوا مثل هذا الشرط.

كما ذهب الجمهور أيضاً إلى أن هذه «الغرة» تجب حتى آخر مراحل الحمل، أي حتى قبيل الولادة ولو بلحظات. وخالف في ذلك الحنابلة، والجعفرية من الشيعة. فذهب الحنابلة إلى أن الجنين إذا بلغ الشهر السادس من عمره ثم أسقط ففيه الدية الكاملة مثله مثل المولود والكبير. لأنه بعد الشهر السادس صار قادراً على الحياة خارج رحم أمه فيلحق بالمواليد والكبار. وذهب الجعفرية من الشيعة إلى استحقاق للدية الكاملة كالمولود والكبير بدءاً من الشهر الرابع وهو زمن ولوج الروح فيه لأنه أصبح منذ ولوج الروح فيه كائناً إنسانياً مستقلاً في إنسانيته وروحه عن أمه.

أما لو أسقط الجنين حياً، ثم مات بعد ذلك بسبب فعل الجاني الذي أسقطه فقد ذهب الجمهور إلى أن الواجب فيه هو الدية الكاملة كالمولود والكبير، لأنه أصبح مولوداً، وعاش مدة، ولو لحظات. أما المالكية فقالوا إن كان الجاني قد فعل ذلك خطأ ففيه الدية الكاملة كما قال الجمهور. أما إذا كان الجاني قد فعل ذلك عامداً فقد وجب القصاص ويقتل الجاني به قصاصاً.

 

محمد وفا ريشي

مراجع للاستزادة

  • إبراهيم حقي وصادق فرعون، فن التوليد ( دمشق 1982 ).

  • رؤف عبيد، الجرائم: الاعتداء على الأشخاص والأموال في قانون العقوبات المصري، الطبعة الخامسة ( القاهرة 1965 ).

  • موفق الدين بن قدامة، المغني ( دار الكتاب العربي الجديدة، بيروت ).

  • L.M.HELLMAN & J.PRITCHARD, William's Obstertrics (Appleton Century Crofts, New York 986).

  • J.P.GRINHILL & E.A. FRIEDMAN, Biological Principles on Modern Practic of Obstretrics (W.B.Saunders Company, London 1985).

 

هذا البحث منشور ضمن ( المجلد الأول / العلوم الصحية / طب بشري / الإجهاض )  من الموسوعة العربية.